اللهم اني اسألك من الخير كله. PANET

وما ذكره من كون "من" زائدة، يأباه مذهب الجمهور، فقد شرط لزيادتها أن يتقدم نفي أو شبهه عليها، وتأخر نكرة عنها؛ فالأوجه أنها تبعيضية
وقال في موضع آخر: مِن ليست زائدة، بل هي إما للبيان: أي: أسألك مسؤولًا هو الخير كله، أو للابتداء: أي: أسألك خيرًا مبدؤه الخير الإجابــة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد: فخلاصة القول في الجمع بين ما ظاهره التعارض في هذا الباب: أن الأصل في الدعاء بالأمور المستحيلة عادة، هو المنع، ثم يشرع ذلك في بعض الأحوال الخاصة، كمعجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، التي تؤول إلى معنى نصرة الحق، وتكثير الطاعات، وإيجاد ما يحبه الله ويرضاه، لا لشهوات العبد وأمانيه

PANET

قال في الحرز: والأظهر أنه تأكيد لموضع الجار والمجرور، لا سيما و من زائدة؛ لإرادة الاستغراق، وإلَّا فيصير التقدير: أسألك كل الخير من الخير.

22
(( الكوامل الجوامع ))
وهنا نقول: "من الشر" ليس للتبعيض, ولكنها للتعدية، أي: تعدية العامل؛ ولهذا نقول: إن الإنسان يستعيذ من الشر كله -قليله وكثيره-, ففرّق بينها وبين السؤال: "أسألك من الخير" من هنا للتبعيض, "أعوذ بك من الشر", قلنا: هذه للتعدية، أي: تعدية الفعل
(( الكوامل الجوامع ))
PANET
وربما نقوم بتبادل هذه المعلومات مع اشخاص اخرين طرف ثالث وكذلك حين يقع المرء في ضرورة، أو ما يقاربها، فيطلب ما فيه خرق للعادة؛ دفعًا للضرورة التي نزلت به
قوله: اللَّهمّ إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه و ما لم أعلم : أي: يا اللَّه أعطني من جميع أنواع الخير مطلقاً في الدنيا والآخرة ما علمت منه وما لم أعلم، والتي لا سبيل لاكتسابها بنفسي إلا منك 3 , فأنت تعلم أصلح الخير لي في العاجل والآجل قوله: وأعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمت منه، وما لم أعلم : أي: اللَّهمّ أجرني واعصمني من جميع الشرور العاجلة والآجلة في الدنيا والآخرة، الظاهرة منها والباطنة، والتي أعلم منها، والتي لا أعلمها؛ فإن الشرور إذا تكالبت على العبد أهلكته

PANET

قوله: وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً ، وفي رواية وهي مفسرة للرواية الأخرى: وَمَا قَضَيْتَ لِي مِنْ قَضَاءٍ ، فَاجْعَلْ عَاقِبَتَهُ لِي رَشَدًا 4 : أي: أسألك يا اللَّه أن تكون عواقب كل قضاء تقضيه لي خيراً، سواء كان في السراء أو الضراء، وافق النفس أو خالفها؛ لأن كل الفوز و الغنيمة في الرضا بقضائك؛ فإنك لا تقضي للمؤمن إلا خيراً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له 5.

PANET
ويبقى الكلام على حديث عائشة: "اللهم إني أسألك من الخير كله
(( الكوامل الجوامع ))
قوله: اللَّهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك : تأكيد لما قبله، وتفضيل لاختيار الرسول على اختيار الداعي، لكمال نصحه، وحرصه على المؤمنين من أنفسهم، وهذا الدعاء الجليل، يتضمن كل ما فات الإنسان من أدعية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي لم تبلغه أو لم يسمع بها، فهو يسأل كل ما سأله النبي صلى الله عليه وسلم بأوجز لفظ، وبأشمل معنى
(( الكوامل الجوامع ))
وقال الشيخ ابن عثيمين في شرح بلوغ المرام: "من" هنا للتبعيض، والخير كله لا يكون لأحد, الخير كله إنما هو بيد الله عزّ وجلّ, فلا يمكن أن يحصل للإنسان كل خير، بل يحصل له من الخير